البلداندراساتعقارات

مدينة القصر الكبير إمارة بني اشقيلولة (الجزء 2)

أضواء على إمارة أندلسية بالمغرب على عهد الدولة المرينية

بقلم : عبد القادر الغزاوي

الحلقة الثانية :

4 ) إقامة إمارة أندلسية بمدينة القصر الكبير بعد الهدنة وإنهاء الخلاف بين بني الأحمر وأصهارهم الرؤساء بنو اشقيلولة، وما وصلوا إليه من اتفاق حول مغادرة بني اشقيلولة الأندلس، فرحلوا إلى المغرب للاستقرار بمدينة القصر الكبير، وجاء في كتاب (المغرب عبر التاريخ) لإبراهيم حركات، أنه( …في سنة 687ه تلقى السلطان زيارة أسرة بني اشقيلولة الذين استقروا نهائيا بالمغرب ومنحهم السلطان حق التصرف في ولاية القصر الكبير بينما سلمت ممتلكاتهم في الأندلس إلى ابن الأحمر ).

وجاء في كتاب (تاريخ المغرب) للتهامي الوزاني، (وكانت مدينة وادي آش تحت امرة بني اشقيلولة وهم أعداء ابن الأحمر، وأكد ابن الأحمر طلبه لوادي آش فأعطاه إياها يوسف وعوض لبني اشقيلولة بالقصر الكبير من المغرب توارثها بنوهم حتى انقرض أمرهم) .

وكذلك جاء في كتاب (تاريخ إسبانيا الإسلامية) لليفي بروبنسال (جرت في ذلك بين السلطان أمير المسلمين وبين صاحب الأندلس محاورة أجلت عن تعويضهم من وادي آش بقصر كتامة. وانتقلوا إليه بأموالهم ورجالهم وأهليهم في أوائل عام 687 ه).

وجاء في كتاب (الإحاطة) لابن الخطيب أنه (وقعت مراسلات، أجلت عن انتقال الرئيس أبي محمد إلى المغرب ، معوضا عن مدينة وادي آش بقصر كتامة ، وذلك عام تسعة وثمانين وستماية) .

وهنا يلاحظ اختلاف في تاريخ انتقال بني اشقيلولة إلى المغرب. وعلى العموم فإنه من الثابت تاريخيا أن هؤلاء استقروا في شمال المغرب بمدينة القصر الكبير المعروفة حاليا، والتي سبق للسلطان المريني منحها لرئيس أسرة بني اشقيلولة، كما جاء في كتاب (الاستقصا) لأحمد الناصري (توفي سنة 1315ه)،(فأعطاه السلطان يوسف القصر الكبير وأعماله طعمة سوغه إياها، فلم تزل ولايته متوارثة في بنيه حتى انقرضوا آخر دولة بني مرين) . فأقاموا بها إمارة أندلسية يحكمونها ، وتولى الرئيس أبو محمد ابن اشقيلولة عبد الله بن ابراهيم بن علي ابن اشقيلولة التجيبي رئاسة هذه الإمارة من تاريخ حلولهم بالمدينة إلى غاية وفاته سنة 695 ه بنفس المدينة . وقد دام حكمه للإمارة ما يقرب من تسعة أعوام ، فتوارث أبناء هذه الأسرة حكمها التي أصبحت خاصة بهم، وتعاقبوا على حكمها إلى أن انقرضت هذه الأسرة، ولم يبق لها أثر في مدينة القصر الكبير، باستثناء مقبرة “ضريح سيدي الرايس ” ، كما تسمى عند أهل المدينة، الواقعة بحي يحمل إسم “حي سيدي الرايس”، وهو في الجهة اليمنى بوسط الطريق التي تربط ساحة( دار غيلان) ، وطريق الربا ط في اتجاه مدرسة السدراوي، أو قبة الرئيس حسب ما جاء في كتاب (مرآة المحاسن)، حيث نقرأ (وأما القبة التي تعرف بقبة الرئيس، فإنها لبعض الأمراء .

ذكر ابن الخطيب في (الإحاطة) أن الرئيس أبا محمد عبد الله بن إبراهيم بن علي ابن اشقيلولة التيجيبي ثار بوادي آش، ودعا إلى ملك المغرب، فلم يغثه، ووقعت مراسلات أجلت عن انتقاله إلى المغرب معوضا عن وادي آش بقصر كتامة، وذلك في عام ستة وثمانين وستمائة، ومات بالقصر). يعني مدينة القصر الكبير.

ورد في كتاب “الإحاطة في أخبار غرناطة ” أن ابن الخطيب قام بزيارة ضريح سيدي الرئيس بمدينة القصر الكبير، حيث يقول :(دخلت قصر كتامة يوم الثلاثاء الثاني من ذي قعدة عام خمسة وخمسين وسبعما ية في غرض الرسالة، وزرت مقبرة الرؤساء بني اشقيلولة بظاهرها. وفي قبة ضخمة البناء رحيبة الفناء، نسيجه وحدها بذلك البلد، بين منازل البلى، وديار الفناء، وبها قبر الرئيس أبي محمد هذا، عن يسار الداخل، بينه وبين جدار القبلة قبر، وسنامه رخام مكتوب عليه: قبر عزيز علينـــا لوأن من فيه يفدا أسكنت قرة عينـي وقطعة القلب لحدا ما زال حكما عليه وما القضاء تعــدا فللصبر أحسن ثوب به العزيــز تــردا وعند رأس السنام الرخامي، مهد مائل من الرخام فيه : ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله، وسلم تسليما. هذا قبر الرئيس الجليل، الأعلى الهمام، الأوحد، الأسعد، المبارك، الأسنى، الأسمى، الأحفل، الأكمل، المجاهد، المقدس، المرحوم، أبي محمد عبد الله، ابن الرئيس الجليل، الهمام، الأوحد، الأسعد، المبارك، الأمضى، الأسنى، الأسمى، المعظم، المرفع، المجاهد، الأرضى، المقدس، المرحوم أبي إسحق إبراهيم بن اشقيلولة ، رحمه الله وعفا عنه، وأسكنه جنته، ظهر عفا الله عنه، بوادي آش، أمنها الله، قاعدة من قواعد الأندلس، وتسلطن، ونشرت علامات سلطنته، وضربت الطبول، وجاهد منها العدو،قصمه الله، وظهر على خاله سلطان الأندلس، وأقام في سلطته، نحوا من ثلاث وعشرين سنة، ثم قام بدعوة الملك الأعلى، السلطان المؤيد المنصور، أمير المسلمين، المؤيد بالله أبي يعقوب أيده الله بنصره، وأمده بمعونته ويسره، وأمره أيده الله، أن يتخلى عن وادي آش المذكورة، ويصل للمغرب ، فتنحى عن الأندلس للمغرب، آنسه الله، في جمادى الأولى من ستة وثمانين وستماية، فأعطاه أيده الله، قصر عبد الكريم أمنه الله، وأنعم عليه، فأقام به مدة من ثمانية أعوام، وجاز منه إلى الأندلس ، أمنها الله، وجاهد بها مرتين، ثم رجع إلى قصر عبد الكريم المذكور، وتوفي، شرف الله روحه الطيبة المجاهدة، عشي يوم السبت العاشرة من شهر محرم سنة خمس وتسعين وستماية “) .

يبدو أنه كان هناك خلاف وتناقض حول سنة انتقال الرؤساء بني اشقيلولة إلى مدينة القصر الكبير، وتجلى ذلك في إبداء بعض الملاحظات، منها أن (هناك ملاحظات تظهر الفرق بين روايات ابن خلدون صاحب العبر، فقد ذكرأن سنة الانتقال كانت سبع وثمانين، بينما في الإحاطة تسع وثمانين. وفي الإحاطة أن المخاطب الأول كان هو أبو محمد، بينما في العبر نجد أن أبا الحسن هوالذي استدعي وأعطيت له مدينة القصر الكبير. وقد اعتمد الناصري في الاستقصا رواية ابن خلدون في سنة الإنتقال، بينما أخذ برواية الإحاطة في قضية الشخص والمخاطب الأول) .

يلاحظ أن مدة إقامة وحكم أسرة بني اشقيلولة بالقصر الكبير ، وكذلك طريقة تدبيرهم شؤون هذه الإمارة، ومقر حكمهم وإقامتهم، وعلاقتهم بسكان المدينة ، وكذلك علاقتهم بالسلطة المركزية المغربية ، غير واضحة وغير مذكورة، وحتى الأمراء والحكام الذين تعاقبوا على حكم هذه الإمارة ظلوا مجهولين وغير معروفين، سواء بالنسبة لأسمائهم أم بالنسبة لمدة حكم كل واحد منهم على حدة. فالمعلوم أن هؤلاء الرؤساء تولوا حكم إمارة أو ولاية القصر الكبير خلال تواجدهم بها، وأن (العناصر الأندلسية كان تكاثر تواجدها وتواردها على القصر الكبير في هذه الفترة، إذ اعتبر الأندلسيون القصر بمثابة إمارة أندلسية جديدة أنشأت لهم خارج العدوة الأندلسية وخاصة من قبل أهل الثغور والمدن المفقودة، مثل أهل شنترين، وشدونة، وغافق، وشلب، وبعض أهل شريش ومالقة ووادي آش) .

فأضحت المدينة قبلة لهم،وملجأ يأوون إليه عند الضرورة واختلط الوافدون الجدد بسكانها فاندمجوا وانصهروا فيما بينهم ، وامتزجت الحضارتان المغربية والأندلسية، وظهر ذلك الامتزاج في العمران واللباس والعادات، استمر مفعولها لسنوات عديدة بل لقرون، وربما ما زال من يحافظ عليها إلى اليوم من الأسر الأندلسية العريقة التي ما زالت تقطن هذه المدينة التي اتخذتها مقرا لها، كما هو الشأن بالنسبة لمدن شمالية مغربية كتطوان وشفشاون وغيرها. ( يتبع )

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق